ذكرت في الجزء السابق : أن عدم تعبير إعلامنا المرئي عن مجتمعنا كان عاملا من عوامل ضعفه المتمثل في إحداث انفصام بيه وبين الأمة واستغلاله ليكون شاهد قطيعة بين الدولة وشعارها
وأكمل اليوم ذلك السرد قائلا :
قد يستدرك أحدهم بالسؤال عن كيفية نجاح الإعلام المصري مع أنه يعاني من المشكلة نفسها التي أشرت إلى كونها أحد أسباب ضعف إعلامنا المرئي وهي عدم تعبيره عن الأمة ؟
وصاحب هذا الاستدراك يخالفنا في مفهوم النجاح للإعلام الرسمي , فحين ننظر إليه على أنه: الوصول إلى تلبية احتياجات الأمة من الوعي والاستقلالية والاعتزاز بالهوية الدينية والتراثية والرقي بفكرها وأخلاقها وفق مثلها العليا والدفاع عنها تاريخا وقيما وواقعا والدعوة إلى منهجها , ينظر إليه هو على أنه الوصول إلى تحقيق أهداف أجنبية عن المجتمع ومحاولة مسخه وإذابته في غيره تمهيدا لقتل ما يمتلكه من مقومات استقلال ثقافي وهوية خاصة , ولهذا يعد هذا المستدرك الإعلام المصري ناجحا ونعده فاشلا إلا إن قصدنا النجاح في السقوط من الهاوية .
وحتى هذا النجاح السلبي إنما تحقق بخدمة عوامل كثيرة تضامنت لتصل به حيث نراه , ولو انفرد الإعلام المصري بالأمة مجردا عن تلك العوامل لواجه سقوطا مبكرا أو موتا مفاجئا دون أن يكون له أي أثر في مصر فضلا عما وراءها , ولعل من هذه العوامل : كونه محلي الصناعة وأنه ولد وترعرع في ظل استعمار ثقافي وسياسي وغياب أو تغييب للدعوة العملية والتوعية ضد التغريب ومخاطره .
والمتتبع المنصف لأحداث التاريخ المعاصر يجد أن هذه العوامل وُجد ضدها في المملكة العربية السعودية زمن ورود الإعلام المرئي إليها .
فالتوعية ضد مخاطر التلفاز وُجدت قبل وجود التلفاز ذاته وواكبت مسيرته حتى يومنا الحاضر –بصرف النظر عن مدى الموافقة على أساليبها التي بدأت بها - الأمر الذي كان له أبلغ الأثر في بطء حركة التغريب في تلفزيوننا وتمسكه بطابع المحافظة الذي أشرنا إليه سابقا .
بل منعت التوعية ضد مخاطر التلفاز في بلادنا من اتخاذ أبطال منتجاته المستوردة أبطالا في ذهنيات المتلقين من شبابنا , بل وظلوا –أي أبطال الإعلام - زمنا طويلا رمزا للاستنقاص والتصغير عند الحديث عن منطلقاتهم وقيمهم الأخلاقية , وإلى حد بعيد ساهمت تلك التوعية في صرف المستهدفين بالإعلام المرئي عن الإيمان بصدقيته أو حتى الحرص على متابعته .
ولم يكن لدى القائمين على الإعلام المرئي عندنا عناية كبيرة بتغيير الصورة التي رسمها المحذرون من مخاطر الإعلام بقدر ما كانوا يراهنون على إمكانية تغير هؤلاء المحذرين مع الزمن بفعل استمراء المجتمع لما يقدمه الإعلام من مخالفات وبفعل إعطاء المشايخ حصة من خارطة البث تتسم غالبا بالتقليدية وتعتمد جاذبيتها على مدى جاذبية الشيخ فقط.
ومع أن برامج المشايخ هؤلاء نجح بعضها في اجتذاب المشاهدين نجاحا لم تحققه المسلسلات الأسبوعية آنذاك ولا البرامج الغنائية إلا أن ذلك النجاح لم يكن شافعا للعمل المشايخي كي يحظى بأوقات أفضل أو بشيء من العناية بتطويره الإنتاجي , مع أن القائمين على الإعلام كانوا لا ينفكون عن استيراد برامج عن القرآن والإيمان ذات كفاءة إنتاجية جيدة من تلفزيونات عربية أخر .
والسبب في هذا الانصراف عن تطوير العمل الإعلامي الديني المحلي في تقديري قناعة القائمين على الإعلام المرئي عندنا منذ نشأته -وربما حتى اليوم- بأن المنهج السلفي الذي ينطلق منه المشايخ والمتدينون لا يمكن أن يكون منهجا للإعلام بحال من الأحوال , إذ إن الإعلام في نطرهم تكمن جاذبيته في وجود المرأة والغناء وهما محظوران سلفيا .
ومن منظورهم هذا خرجت المرأة السافرة مذيعة ومغنية وممثلة في التلفزيون السعودي منذ بداياته وبذلت الأموال في استيراد البرامج التمثيلية والغنائية والعلمية كي يتحقق التفوق لإعلامنا المرئي بالاستيراد الثقافي, لكن هذا التفوق ظل وما يزال حلما .
يقول بعضهم : إن القائمين على الإعلام آن ذاك كانوا محقين في تصورهم مجافاة السلفية لمتطلبات الإعلام المعاصر , ويرون أن الضغط الديني على الإعلام السعودي هو سبب تخلفه عن ركب الإعلام العربي الأقل منه قدرة مالية , وقد بلغ ضغط العلماء على التلفزيون أن كانت الرقابة تحذف من الأفلام والمسلسلات حتى القسم بالنبي والأولياء فكيف تريدون لمثل هذا الإعلام أن ينجح في ظل مثل هذه الرقابة المتزمتة ؟.
والجواب أن هذه الرقابة التي يسميها المعترض متزمتة لم تكن مراعاة للعلماء الذين لم يكونوا يشاهدون التلفاز أصلا , بل شيء من المراعاة أو محاولة الجذب أو المخادعة للمجتمع الذي كان شديد التقطيب عند كل أمر يخدش الحياء أو العقيدة , وكان متكفلا بتأليب العلماء على الإعلاميين متى تجاوز الأمر حده فهو مجتمع سلفي التصور جدا , وليس صحيحا أنه استمرأ بسرعة ظهور المرأة مذيعة وممثلة ومغنية , لكن أسلوب التدرج في الطرح كان أسلوبا ناجحا في تمرير كثير مما يريده القائمون على الإعلام المرئي ولا يريده المجتمع .
ومما يؤسف له : أنه مع فشل إعلامنا داخليا في اجتذاب المشاهد رغم منهجه التدرجي في الانفلات من قيود المجتمع السلفية ومع تعثر التدرج مرات عديدة بفعل رقابة المجتمع إلا أن سياسة التدرج في فرض هذا الانفلات ربما مازالت تعبر عن قناعات بعض المسئولين عن التلفاز حتى وقت قريب , ولم يصلوا بعد إلى القناعة بأن ارتكاز التلفاز الرسمي على العمود السلفي هو الذي سيضمن له النجاح داخليا وخارجيا .
أما داخليا : فلأن الإعلام حين يعبر عن منطلقات الأمة ومفاهيمها الخاصة والعامة سيكون محل ثقتها ولا شك أن الثقة تعد عاملا مؤثرا من عوامل الانجذاب الجماهيري .
ودوليا : لأن الجماهيرفي العالم الإسلامي وغيره تريد إعلاما صادقا في توضيح رؤيته مهما كانت هذه الرؤية مخالفة له, وحين تحس هذه الجماهير تناقضا بين منطلقات الدولة ومظهر إعلامها فلا شك أنها ستنزع عنه وصف الصدقية , فيجمع بذلك إلى عيوب الأداء في الإنتاج عيب النفاق في العطاء .
نعم : سوف يواجه الإعلام المرئي صعوبات كثيرة في الإنتاج حين يقرر أن يكون سلفيا خالصا , وذلك لا لكونه سلفيا وحسب , بل لأنه حينذاك إعلام فكري , أي أنه يريد أن يصل إلى أهدافه عبر الفكر , والإعلام المؤدلج بشكل عام إذا لم يستخدم الغرائز والأهواء وسيلة له, يحتاج إلى مجهود أكبر في إنتاجيته كي يحقق الكسب الجماهيري .
فهي مشكلة لا تخص الإعلام السلفي بل يعاني منها كل إعلام فكري موجه .
ومع ذلك هي إشكالية ليست عامة في جميع النشاطات الإعلامية بل هي خاصة بالنشاط الدرامي , وكانت مشكلتنا في إعلامنا المرئي الاعتقاد السائد بأن الدراما هي وحدها القادرة على جذب المشاهد , ومع أن التلفزيون السعودي بث عددا من البرامج الحوارية والتعليمية لقيت من القبول أكبر مما تلقاه البرامج التمثيلية إلا أن هذا الاعتقاد لم يتزعزع .
فقد كان مشاهدوا نور وهداية ومن كل بحر قطرة والكلمة تدق ساعة ومنكم وإليكم والعلم والإيمان وبرنامج البادية والحياة الفطرية , قطاع عريض من المجتمع أغفله المنسقون للعمل التلفزيوني السعودي حين لم يقوموا بأي إجراء لتطوير الإنتاج في البرامج الثقافية المتماشية مع المنهج السلفي , وكأنهم يرسلون رسالة بالخط العريض : جمهورنا الحقيقي هو من يطلب الدراما والغناء فقط .
ولعلي أتحدث فيما بعد عن ضعف الإعلام المرئي في مواجهة اتحديات الخارجية نشر بتاريخ 23-06-2009 |