تطوير المحاورة أم تدميرها




سألني أحد المهتمين بالمحاورة سؤال المستنكر يريد رأيي بإدخال الدفوف على المحاورة. فآثرت أن تكون الإجابة عامة؛ لأن ذلك يمس الجميع .

فن المحاورة فن حجازي عريق له شعراؤه المتميزون في السابق وفي هذا العصر وبعده. تميز فيها شعراء الحجاز عن غيرهم ولا يزالون متميزين؛ لأنها بنت بيئتهم وفنهم الأول، وكل قوم بفنونهم أعلم. والمحاورة من الفنون الأصيلة المشاعة لعشاقها والغيورين عليها، وليست حجرا على أحد.
إن جمال المحاورة بالمعنى والتغطية والتمريرات وهو ما يسمى بالنقض والفتل فقط ، وما عدا ذلك ترف زائد من الصوت والبحور وغيرها، وقد كانت المحاورة الحجازية منذ القدم غنية بالمعاني، ولا يخفى ما قدمه عمالقة شعراء المحاورة ومنهم مطلق الثبيتي – رحمه الله- وغيره، الذين أضافوا لها معاني ومحاور جديدة من جهة المعنى، وهذا ما يطلبه الجمهور الواعي والذواق.
التطوير لا أحد يقف ضده إذا كان البناء على نفس قاعدة الفن، من خلال إدخال أساليب وأفكار وأخيلة جديدة، فهذا مطلب وهو ما نجده عند كثير من الشعراء المبدعين. وقد اقتضت عادة الفنون القديمة الأصيلة أنها لا تحيد عن أساسها مهما حاول أهل الفن التغيير، ولعل فن الشعر العربي خير مثال على ذلك، فإذا ما استقرأناه من العصر الجاهلي إلى اليوم وجدنا أنه في كل عصر يحدث فيه المحدثون ما يحدثون، ثم يزول ما أحدثوه وهم ينظرون. ففي العصر العباسي وما بعده أدخل على الشعر ما ليس منه وإلى اليوم المحدثون يحاولون، لكن الشعر باقي والمحدث زائل لا يعلق إلا على الورق كما يعلق القذى على العين.

وقد طرأ على المحاورة في الآونة الأخيرة محاولات غير موفقة لإدخالها مع مضايق الطرق وملاويها؛ ليخرج بها المستشعرون عن قاعدتها، فخرج طابور ثالث يصفق للصوت والصورة. جمهور مع الخيل يا شقرا!!! كما قال عنهم الشاعر الكبير صياف الحربي-رحمه الله: “لا يفهمون ولا يفهمون أنهم لا يفهمون”. وصادف ذلك مع بداية بث القنوات المختصة بالشعر فأوشت تلك النار التي سرعان ما خبت وما لبث طابور الفوضى أن تسرب إليه الملل وذاب بين عشية وضحاها، فافتقد بعض الشعراء ذلك التصفيق والدعوات المتتالية، فأصبح حالهم أشبه بحال من يبحث عن النعيم المفقود الذي لا يقود إلا إلى التهلكة. ومن أعمتهم المادة وأهلكهم جمعها لن يتورعوا عن دفع عربة مصالحهم ولو إلى الجحيم، فجاءوا بحجة التطوير حتى يصدموا الناقد الغيور عن نقده.
والتطوير الحقيق بالإحترام لا يقف أحد في وجهه، أما أن يسمى التدمير بالتطوير فهذا أمر غير مقبول من أي أحد. ويكمن هذا التطوير عندهم في الدف، وهو جديد على المحاورة مفسد لها ولأهلها، تنسلخ معه الشيم والمرؤة؛ وما سيحدث معه وبعده أمر ما لا يخفى على ذي لب. فالدف ليس إلا المرحلة الأولى ثم يتطور التطوير كما يزعمون إلى المعازف، وقد لمّع المطور هذا التطوير بربط القوافي في الموال والشيلة، وهو معروف من قبل ولعب عليه القدماء قبل ولادة هذه الأفكار ونشوئها. والمشكلة تكمن في أن المطورين بفعلهم ذلك يسعون إلى جذب الجمهور وليس للنهوض بالمحاورة، وما علم هؤلاء أن المحاورة غنية بجمهوها الأصيل عن الجمهور الذي يجبر الشاعر على المهاترات والفحش والسفور في الكلام. وما دام الجمهور يجدون المحاورة الأصيلة، ويتذوقون طعم المعنى ويعثرون عيله إذا فتشوا عنه لن يتركوها، ولا يمكن لجمهور دخل المحاورة مع الباب -ولم يدخلها مع الطاقة- أن يترك المحاورة، فلها في قلبه مكان إلى أن يقطع ذلك القلب، وهم ليسوا بحاجة إلى تطوير يقود إلى التدمير.
إن جمهور المحاورة رجال عركتهم الحياة، فهي تحمل همومهم ويجدون فيها سلوتهم ضاربين بالشكل عرض الحائط؛ ولذا كانت المحاورة ماركة مسجلة باسم الدقن والشنب، وليست فنا للنواعم التي تتمايل على الدفوف فتفعل كما تفعل النساء.
ثم ألم تفسد المؤثرات الشيلات كما أفسدت الإنشاد من قبل حتى فسدت وفسد ذوقها؟! مما جعل أهلها يتراجعون والمزيفون يتقدمون، ناهيك عما دخلها من موسيقى ومعازف، فهل علم من ابتدع هذا وتبناه ماذا جر على نفسه من الإثم من عمله، وعمل من عمل عمله؟!.

الطريق إلى الحرام خطوات من خلال الشبهات، فاحذر – رعاك الله – أن تكون مبتدعا فتجر على نفسك من الأوزار ما لا تستطيع حمله يوم القيامة. فاليوم دف وغدا إيقاعات أخرى ثم تطوير على التطوير بالمعازف وغيرها، وتلك خطوات الشيطان. وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم ( ليكوننّ من أمتي أقوام، يستحلّون الحِرَ والحرير، والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب عَلَم، يروح عليهم بسارحةٍ لهم، يأتيهم -يعني الفقير- لحاجةٍ فيقولون: ارجع إلينا غداً. فيبيّتهم الله، ويضع العَلَم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة) رواه البخاري.

صحيفة الدوادمي

بقلم ـ عبدالعزيز الصالح :



رابط الخبر بصحيفة الدوادمى : تطوير المحاورة أم تدميرها

شارك هذا الخبر مع أصدقائك على :
Google+ Facebook Twitter LinkedIn Delicious Pinterest WhatsApp Addthis

3 التعليقات

    1. 1
      محسن المطيري

      كلام رائع دكتور عبدالعزيز.

      وقلم مبدع.

      الرد
    2. 2
      محمد الرشيذ

      مقال مسؤول لناقد خبير وشاعر مبدع .
      مقال يمثلني ، بيض الله وجهك يابوفيصل .

      الرد
    3. 3
      محمد الرشيد

      مقال مسؤول لناقد خبير وشاعر مبدع .
      مقال يمثلني
      بيض الله وجهك يا أبا فيصل .

      الرد

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *